((حكاية غربتي ))

ها أنا ذا جالس على مكتبي ، في غرفتي الخالية مما سواي ، في شقتي الخالية أيضا مما سواي ، ألفت صوت الريح المار خلال نوافذها ،

حتى صرنا كالأصحاب يحن أحدنا للآخر ، يفتك بي بين الفينة والأخرى وحش الغربة ، ويدمع قلبي أني ألفت تلك الغربة وألفتني هي بدورها ،

غريب أنا في بلدي !! نعم ! غريب ، فما قيمة الحياة في بلدي من دون أهلي ؟! ، من دون أبي وأمي ؟! ،

من دون إخوة صغار لي ألاعبهم وأدخل على وجوههم البسمة البريئة ، من دون أخت لي تشاورني وأشاورها ؟! ،

لقد أدركت أن قمة عذاب الغربة هي ان تكون فيها لوحدك ، تحاول طرد ظلامها فلا تقدر ، وكلما أردت فك عقدتها ازدادت تعقيدا ! ،

قديما قيل لي أن لا أحد يستطيع أن يشعر بآلامك وكنت أرفض تلك الفكرة ، أما الآن فأنا أراها حقيقة ماثلة أمام عيني لا تفارقني ،

فالناس تريد مني البسمة والضحكة فقط وأن تسمع منهم أفراحهم و أتراحهم ،

وكنت دوما أفعل ذلك وأغالب ألامي وأحزاني علِي أجد من يسمعني عندما أشكو وابث أحزاني ، لكني اكتشفت أن كل هذا محض أوهام وأني كتب علي أن أشقى لوحدي .

عندما تكون وحيدا في غربتك ، تستأسد عليك الأقدار ، حاولت الهروب كثيرا لكنني وجدت المواجهة ماثلة أمامي

فإما الانتصار أو الإنهيار ، وفي كلتا الحالتين لابد من دفع فاتورة الأقدار ، جربت جميع الأصحاب علَهم يكونون لي أعوانا ،

فما وجدت فيهم إلا ميزان المصالح والغايات ، لا أدري ؟ أكل الناس هكذا! أم أني لا أجيد الإختيار ، كل الأشياء تغيرت في غربتي حتى أفكاري وآرائي ،

تغير حتى شكلى ، تغيرت مشاعري ، تبلدت ! ماتت ! ، في كل لحظة تمثل أمام عيني حقيقة أني بدأت أتحول ، لست أنا أنس الذي أعرف ؟!! ،

أين رهفة القلب ؟! ، أين رقة المشاعر ؟! ، أين حلاوة الإيمان ؟! ، أين؟ أين؟ ، إني أرى نفسي تسرق أمام عيني !! ، لكن لا أستطيع منع السارق ،

إذ أن السارق هو الغربة ، تقرع نفسي تساؤلات لا أجد لها جوابا !! ، هل التخلي عن نفسي ضريبة الغربة لكي أتوافق معها ؟! ،

لا أدري .

أهلي في الجانب الآخر ، في غربة أخرى ، هم أيضا فارقوا الأهل والأحباب منذ سنين ، حتى ألفو الغربة و ألفتهم ، و أنا بين غربتين أتقلب ! ،

فإما غربة عن أهلي ! وإما غربة عن وطني ، وكلاهما مر ، أهلي أيضا لا يريدون ما ينغص عيشهم ، يكفيهم سنين غربتهم ،

فهم لا يريدون أن يسمعوا مني إلا عبارة (كله تمام)! إذا هاتفتهم ، وأنا أيضا أنأى بنفسي أن أسمعهم غيرها ،

إذ ما ذنبهم أن أحملهم ألاما فوق آلامهم ، فيكفي أن نار البعد تأكل قلوبهم ، وهم يرون إبنهم البكر يصارع الحياة بعيداً عن أنظارهم ن نعم فاتورة الغربة غالية غالية ! ،

لكن عبارة قالها لي والدي عن الغربة مازلت تخفف عني بعض آلامها ، قال لي : ياولدي إنها تصنع رجالا ! ،

نعم يا أبت تصنع رجالا لكنهم رجال بلا قلوب ، نعم صنعت رجالا لكن قتلت فيهم كل معاني البراءة والإنسانية ،

جعلتهم وحوشا تفتك بكل من يقف في طريق مصلحتها ، ترى يا أبت هل ينفك كابوس الغربة عني ؟! ، لا أدري !! لكن الذي أعرفه أن صبري قد نفذ .

Advertisements

الإخوان بين مطرقة السلفيين وسندان العلمانيين

من خلال إحتكاكي المباشر بتيارات العمل الإسلامي والسياسي ، وجدت حركة الاخوان المسلمين ، من أكثر

الحركات التي ينتقدها تيار التشدد داخل الحركة الاسلامية ، وكذلك يتقدها معتنقوا الليبرالية الجديدة

وإذا جئنا للإنتقادات ومواضيعها فنجد على الطرف الليبرالي ،ينتقدونها ويتهمونها بالاصولية والرجعية ،

والتشدد والظلامية ، والردة الحضارية، وخلط الدين بالسياسة…..

وعلى الطرف الآخر نجد المتشددين من الجماعات السلفية ،، يتهمونها بالتحلل والتمييع الديني

والبعد عن السنة الظاهرية أكما يحلو أن يسموه بالهدي الظاهر كما يتهمونهم بدمج العمل السياسي بالعمل الدعوي،،والبعد

ولو تأملنا في النقاط السابقة لوجدنا الاتهامات على طرفي نقيض على كلى الطرفين
ن فهذا يتهمها بالتشدد ، وهذا يتهمها بالتساهل، ، وهذا يتهمها بالعزلة ، وذاك يتهمها بالانغماس في مؤسسات الدولة الحديثة ،،

،،وفي هذا الشق يستنتج العاقل أن الاخوان تقف على المنتصف من هذه الافكار جميعا مما يدل على وسطيتها

أما التهمة التي أجتمع عليها الطرفان ، ألا وهي ممارسة العمل السياسي وخلطه بالدين ،

فيتضح لمن لديه عقل نقطة إلتقاء بين مشروع العلمانيين الليبراليين والمتشددين السلفيين

من حيث يدرون أو لايدرون ألا وهي فصل الديني عن السياسي وعزل الدين عن مايدور من أمور الحكم ،،

مما أسميه أنا بالعلمانية السلفية التي وقعوا فيها من حيث لا يدرون ،،

ومن هنا قد يفهم البعض إطلاق أجهزة الدولة العلمانية ، الحرية لبعض التيارات السلفية العلمية لتسرح وتمرح حيثما وأينما ووقتما شاءت ،

في حين تتزايد القبضة الأمنية على تيارات الاسلام الحركي؟؟

نقطة التلاقي هذه شاهدناها جليا في حرب غزة وتحريم المظاهرات ، وفي الانتخابات وتحريم المشاركة بها، وفي

مسائل طاعة اولي الامر وقضايا أخرى تخدم بالدرجة الأولى علمانية الدولة،،وتكريس السلبية وعدم المشاركة ،

،لانقول أن مشروعي العلمانيين والمتشددين واحد بل هو أقرب الى التناقض والتضاد ، لكن جمعتهم مصلحة واحده أرى أن أترك لكل منكم مسألة ترجيحها

وكتبه/ أنس حسن 

أمريكا و القاعدة وحكاية مسمار جحا – الصومال واليمن نموذجا

من المسلم به لدي ولدى كثير من القراء والباحثين ، أن أمريكا منذ أن أصبحت القطب الأوحد في العالم وهي تعتبرhttps://i1.wp.com/www.news.gov.kw/files/images/Al-Qaeda.jpg
العالم كله عمقها الاستراتيجي ، وأخذت على عاتقها مع الدول الغربية ، منع أي وحدة أو نهضة حقيقية في
دول الامبراطورية العثمانية كما يسمونها ، لأنها بالنسبة لها الخطر الأخطر الذي يهدد مشروعها ،
وتمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نواة حقيقية لأي وحدة يمكن أن تحدث ،
خصوصا في ظل تنامي التيار الإسلامي وتوغله في المنطقة ، بالتوازي مع ظهور المحافظين
والذين يؤثرون في سياسة أمريكا حتى بعد مجيء أوباما ، فكان لابد من وضع خطط ومشاريع للتقسيم ،
وكذلك إشغال المنطقة في حروب إما عسكرية واما سياسية ، والأهم من ذلك السيطرة على مقدرات الأمة وعلى نقاط تميزها ،
ومن هذه المميزات بطبيعة الحال المضائق والممرات التي يسيطر عليها العرب ،
وخصوصا الموجوده منها بمنطقة الشرق الأوسط ، كقناة السويس ومضيق هرمز ومضيق باب المندب ،
وهي مطامع لأمريكا ولكل الغرب بدون أدنى شك ، فكان لابد لأمريكا أن تضع يدها على كل تلك القدرات ،
فقواعد أمريكا في الخليج العربي ، ووجود إسرائيل ، واحتلال العراق ، وإثارة النعرات الانفصالية في اليمن ،
والحرب الأهلية في الصومال ، والتوتر في السودان ، والصراع على مياه النيل ، وغيرها …
ماهي إلا وسائل لإبقاء المنطقة ساخنة ، وصالحة ومهيئة للتدخل في أي وقت .

– التدخل الأمريكي وتصنيع المبررات :

والتدخل الأمريكي في المنطقة يكون على عدة أشكال وأنماط ، فهناك تدخل عسكري ، كما العراق وأفغانستان ،
وكذلك الصومال سابقا ، وتدخل السياسي كما السودان ولبنان واليمن .وو .. وكذلك أشكال التدخل الاستخباراتي ،
وغالبا أي تدخل أمريكي في المنطقة لابد من صنع مبرراته وتسويقها أما الرأي العام الأمريكي والعالمي
وطبخ تلك المبررات بشكل جيد ،ولكن العجيب في الأمر أني عندما بحث في جميع المبررات
وجدت شيئا مشتركا وحيدا بينها ، ألا وهو تنظيم القاعدة ، وما يسمى بالإرهاب ،
وكلما ظهر في منطقة وجدت أمريكا مستعدة للتدخل فورا بما تتيحة ظروف تلك البلد وما يتيحة المناخ العالمي ،
ويصحب ظهور التنظيم في مكان ما دعاية إعلامية كبيرة ، وتركيز شديد من الإعلام الأمريكي والغربي والعربي ،
عندها تسمع الاساطير عن قوة هذا التنظيم وعظمته وتخطيطه وو … الخ من الدعاية التي لاتملك ولا تبيع سوى الوهم
وسرقة عقول الناس ، ومن ثم افتعال عمليات لهذا التنظيم ،و ظهور رؤوس التنظيم الجديد
يصرحون في أفلام منتجة إنتاجا عالي الجودة ، عن زوال أمريكا !! وهزيمتها ودحرها !!
مع الصورة النمطية للمتحدث والتي توحي بأنه سيغير وجه العالم ، ومن ثم يتناول الإعلام تلك التصريحات
بالتحليل والنقد واستخلاص المواقف ، بحيث يتشكل رأي عام مهيء للتدخل في المنطقة صاحبة الشأن .

– الصومال واليمن نموذجا :

ولنأخذ اليمن والصومال نموذجا لهذا السيناريو ، فكلنا يعلم المطامع الأمريكية في هذه المنطقة ،
فهي من أخطر المناطق الإستراتيجية في العالم ، وما انفكت البؤر الساخنة فيها تهدأ حتى تعاود الثوران
من جديد بفعل فاعل وا صدفة ، ففي الصومال تم زرع تنظيم القاعدة زرعا ،
عندما وجدت أمريكا أنه لامفر من وصول المحاكم الإسلامية للسلطة ، فكانت حركة الشباب ذلك السرطان
الذي نمى في هدوء ثم انفجر في وجه المحاكم الاسلامية ، وهي حركة تصرح أنها تحمل فكر القاعدة ،
وبدأت أخبارهم تظهر للعيان بعد وصول المحاكم للسلطة ، ومع تفاعل الوضع في الصومال
أصبحت البلاد الان مهيئة أكثر من أي وقت مضى للتدخل الأجنبي خصوصا مع اقتراب سيطرة حركة الشباب على البلاد ،
والحجج التي ستساق لو صلت حركة الشباب الى سدة الحكم هي إياها التي سيقت من قبل في كل المناطق التي تدخلت فيها أمريكا ،
ويكفي أن يثار أمام الرأي العام العالمي أن القاعدة الان تسيطر على باب المندب
أحد أهم ممرات العالم وتهدد التجارة العالمية والدولية ، وهذا من شأنه أن يشتري صمت
بل و تعاون الدول العربية والاسلامية ، وبالتالي تكون أمريكا استخدمت تنظيم القاعدة
كمسمار جحا في الصومال التي لطالما حلمت بالسيطرة عليها مرة أخرى .

وفي اليمن فالصورة أكثر قتامة وتشويشا ، لكن الخيط الوحيد الذي يوضح إرادة أمريكا في جعل اليمن مكانا لتدخلاتها ،
هو مجيء العولقي من أمريكا حاملا الجنسية الأمريكة الى اليمن بمرأى ومسمع من السي آي آيه وموافقة الاف بي آي ،
وكأنه زرع في اليمن زرعا ، ثم ترك فترة خاملا ، وفجأة يظهر لنا شبح العولقي من جديد ليتصدر المشهد السياسي اليمني والعالمي
كمطلوب للولايات المتحدة ، تم صناعة بن لادن جديد في اليمن ،
في حين لم تتعامل أمريكا مع قضية الحوثيين بالمثل حيث اتسم رد فعلها بالبرود والصمت ،
في حين كان خطر الحوثيين أكبر وكان تسليحهم أعلى وأقوى ، وظهرت لنا تصريحات تنظيم القاعدة لتؤكد مخاوفي ،
حيث صرح التنظيم بأنه يريد السيطرة على باب المندب ، ويبدو أن أمريكا كانت تدير كل هذه المواقف على نار هادئة ،
وتم تثبيت مسمار جحا في اليمن ، فالعولقي والقاعدة خطر على العالم وتجارته وأمنه ،
ولتتوج مساعي أمريكا وأمانيها في السيطرة على هذا الممر الهام ،
لكن يبقى التساؤل : متى ؟ وكيف ؟ والوقت كفيل بشرح ما تبقى

أخوكم / أنس حسن

المشروع الاسلامي سمفونية بقاء في وجه التحديات /الجزء الثاني

ان ارتباط المشروع الاسلامي بفكر الامام محمد عبده ، وكذلك بفكر الافغاني لا يحتاج الى كبير جهد لإثباته ،

إذ ان دعوة الامام حسن البنا ومشروعه ماهو الا التتطور الطبيعي والابن الشرعي لمسيرة هذين الامامين ، لأنهما يلتقيان في جوهر الفكرة
فهذا الامام محمد عبده يقول : ((لكن الاسلام دين وشرع ، فقد وضع حدودا ورسم حقوقا ، وليس كل معتقد في ظاهر امره بحكم
….الى أن قال : (فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا اذا وجدت قوة لإقامة الحدود ، وتنفيذ حكم القاضي بالحق ،
وصون نظام الجماعة ، وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير ، فلابد أن تكون في واحد وهو الخليفة ) انتهى كلامه.؟
والكلام هنا واضح في ربط الدين بالحكم والسلطة ، ولنا أن نعجب من من طار بهذا الامام من العلمانيين ،
ووصفوه بالعقلاني والمستنير ، ويدفن كلامه هذا ولا يلتفت له أحد؟؟ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟؟ ،
لكنها سياسة عهدناها من أعداء هذا المشروع الاسلامي العظيم ، لكن يبقى هناك تسائل
لماذا لا يهاجم هؤلاء الامام محمد عبده في كلامه هذا كما هوجم الامام البنا؟؟
والجواب : أن كلام الإمام محمد عبده بقي في إطار الرؤية التي عرفناها سابقا ،
ولم يتحول لمشروع حركي تطبيقي وبالتالي فضرره على العلمانيين ضرر لازم غير متعدي وان تعدى فيسهل التحكم به ،
أما في حالة الامام البنا فالأمر مختلف تماما فقد نجح الامام البنا في تحويل أقواله ورؤاه الى مشاريع وأفعال تتكلم
وبالتالي فالضرر هاهنا متعدي ، وهو مالا يروق لمراهقي العلمانية وجهابذتها على حد سواء ،
و ليس هذا الكلام بخسا لا سمح الله من مكانة الشيخ محمد عبده فظروف مرحلته كانت تأسيسا لمن يريد التحرك بعده ،
لكن رؤية الإمام البنا كانت أكثر وضوحا ودقة في ترسيم علاقة المسلم بالسياسة وممارستها ،
نلمس ذلك جليا في إحدى رسائله حيث يقول رحمه الله: (إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا
بعيد النظر في شؤون أمته ، مهتما بها ، فالمسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شئون أمته ) انتهى كلامه ،

فكما نرى اشترط الامام البنا للمسلم الذي يريد اكمال اسلامه ، الاهتمام بالأمور السياسية ،
فالدين عنده لا يعترف بالانعزاليين ، ولا بانصاف المسلمين ، فرؤية الامام البنا للإسلام أنه شامل كامل ،
ولا يمكن بحال تجزئته ، وإن كل المحاولات من مراهقي العلمانية ومن ورائهم لثني هذا المشروع عن الممارسة السياسية
إنما هي محاولة خبيثة لضرب فكرة هذا المشروع من جذوره ،
إذ أن أكذوبة الفصل بين الدعوي والسياسي التي يروج لها في الاعلام وكأنها مطلب قومي مصري ،
ماهي الا للإلتفاف على أصول هذا المشروع ، غذ انه لو أمكن الفصل بين السياسي والدعوي حركيا ،
،فإنه بالإمكان فصل الشرع عن الحكم بديهيا ، وبالتالي إسقاط آخر الحصون التي طالما كانت حامية لشمول الاسلام
وحامية لما تبقى في المادة الثانية في الدستور من اسلام وان كان صوريا ،
إن دعاوى المواطنة ودعاوى الوطن الواحد الذي يسع الجميع ،إنما هي دعوى حق أريد بها باطل ،
وإن الصحوة العلمانية الحديثة التي يقف ورائها راعيا وممولا وداعما الحزب الوطني ورجالاته ،
ماهي إلا رقصة الموت على ما تبقى من أوهام العلمانية في القضاء على مشروع إسلامي كبير ،
استمرت مسيرة هذا المشروع لأكثر من 85 سنة واجه فيها كافة التحديات ، وكافة العقبات ،
عزف طوال تلك المسيرة سمفونية بقاء من أجمل ماعزف التاريخ لرجاله ،في وجه كل التحديات والصعاب ،
استفاد من الأخطاء وعزز النجاحات .
لكن يبقى أكبر تحدي يواجه هذا المشروع هو من داخله ،
ولعلكم لمستم في حديثي أني تجنبت الحديث عن تحديات القمع والقهر ؟؟ لأنها لا تعتبر تحديات لأصحاب الدعوات
وإنما هي علامات على الطريق تخبرهم أنهم على الجادة ، كما تعتبر وسيلة من وسائل تربية الصف
وإن كانت غير مطلوبة بذاتها ، لكني ركزت على التحديات والمواجهات الفكرية
، لأن الفكرة هي المحرك لكل ما ياتي بعدها ، أما بالعودة لتحديات الداخل التي تواجه مشروعنا الاسلامي العظيم
، فهي الحفاظ على كينونة الصف وترابطه ، وتحصينه فكريا وثقافيا وتربويا ، والقدرة على الإرتقاء به لمواكبة
كل جديد مع الحفاظ على اصالة هذا الصف ، وتكمن الصعوبة في اتساع رقعة أتباع هذا المشروع ،
والأتساع معناه تنوع و التنوع ناتج بالضرورة عن إختلاف والإختلاف قد يؤدي الى خلاف والخلاف إن لم يضبط يؤدي الى دمار الفكرة ،
وبالتالي فقدرة المشروع الاسلامي على ضبط خلافاته وتوظيف التنوع بداخله تبقى المهمة الكبرى لقيادات هذا المشروع ،
لأننا لا نريد في الواقع نسخا مكرره ، ولكن نريد تنوع تكاملي يساهم في الرقي بهذا المشروع ،
وطبيعة المشروع الإسلامي تسمح بهذا التنوع لأن النظرة الشمولية للإسلام أساس لهذا التنوع .

بقي أن نقول أن كل محاولات الاستئصال والهدم باءت بالفشل والدليل
بقاء هذا المشروع شامخا صامدا ويخرج من كل محنة أقوى مما كان ،
لكن بقي على كل من يريد مصلحة الامة المصرية التعامل مع المشروع الاسلامي وأبنائه
على أنهم جزء من حركة الكفاح المصري والنظر اليهم على انهم اسهام في نمو الوطن والتحاور معهم في المسائل الخلافية ،
وترك اساليب النبش في القمامة ، والضرب تحت الحزام ، لأن المسيرة ستمضي فليذكركم التاريخ بحير ،
وإن أبيتم فالله متم نوره ولو كره المجرمون .

المشروع الإسلامي سمفونية بقاء في وجه التحديات /الجزء الأول

طويلة تلك المعارك التي خاضها الإسلاميون في سبيل إثبات الذات والدفاع عن النفس ونيل المشروعية بل


وانتزاعها من الأنظمة العلمانية المستبدة الجاثمة على صدورنا ،
حيث واجه الإسلاميون منذ اللحظة الأولى حربا ضروسا لإقتلاع جذورهم ، استخدم فيها الطرف الآخر كل الأسلحة القذرة ،
بدات من استخدام القوة ضد رؤوس هذا المشروع ونواته ، مرورا بحروب اسنزاف الموارد والطاقات ، وانتهت بالإفتراءات والأكاذيب والحرب الإعلامية وحملات التشويه وافتعال الأزمات ،
لإحداث خلخلات هنا أو هناك ، والعمل على إحداث ازمة ثقة بين أصحاب هذا المشروع ،
وبلأحرى ازمة ثقة بين قياداته وقواعده ، كل هذه الحروب والمعارك ومازال المشروع قائما راسخا بل ويقوى ويزداد يوما بعد يوم،
الأمر الذي قد يصل بأعداء هذا المشروع للجنون من قدرة هذا المشروع على الاستمرار والتواصل رغم كافة الحملات الشرسة التي توجه له بين الحين والآخر ،
حتى أصبحت هذه الظاهرة مثار تساؤلات الجميع ،
فما السر في بقاء واستمرار هذا المشروع رغم ما يتعرض له من حملات إستئصال ؟، وتفاوتت الإجابات بين المثقفين والمفكرين وصناع القرار والمراقبين واصحاب الرأي ،
حتى وصل المطاف بالبعض لنسبة هذا البقاء لدعم خارجي إيراني وغيره ،
ووانساق البعض وراء احتمالية دعم غربي لهذه المشاريع لمصلحة يراها هو مرجحة في عقله القاصر تمثل كما يدعي نقاط التقاء بين الطرفين ، والبعض ربط المشروع الاسلامي بالمشروع الصهيوني الذي يحاول اضعاف الأمة وهذا الرأي وسابقه من أغبى ما قرأت من الآراء ، إذ يستند في دعواه على مجرد توهمات واهية ،
وكل هذه الاستنتاجات الغريبة ،
قد تكون ناتجة عن عدم وعي كامل بالتجربة و المشروع الإسلامي ، أو عن تحامل ومحاولة تشكيك وطعن لإرهاب الناس وتبرير القمع ضد اصحاب هذا المشروع ،
لكنني هنا أردت الإجابة عن بعض تلك التساؤلات لكي يعي من أراد يعي الحق وطريقه.
– سر البقاء :
المشروع الإسلامي في العصر الحديث ، لم ينشأ كردة إرتجالية لسقوط الخلافة كما يزعم البعض ،
نعم نتفق معهم في توصيف مرحلة البداية بانها كانت كردة فعل ، لكن أرى من الحماقة وصمها بالإرتجالية ،
لأن المسألة أكبر من ذلك ، فالمشروع الإسلامي كان نتاج ومحصلة اجتهادات ورؤى كثيرة ،
رات تلك الاجتهادات الهوة التي وقعت فيها الامة آن ذاك ، من سقوط للخلافة ،
وحاولت تلك الرؤى مراجعة ومعالجة أسباب السقوط من تخلف عقائدي ، وتخلف علمي وتخلف ثقافي وحضاري ،
وتراجع سياسي ، وكانت كل رؤية تحاول توصيف الحالة ومعالجتها ،
وهذه المرحلة أخذت جهدا كبيرا سواء على مستوى الفكر أو على مستوى التجارب ، لكن تعددت جميع الأجتهادات في تلمس مواطن الداء وكثير من تلك الرؤى ظل في حكم الرؤى الإصلاحية دون أن تتحول لمشاريع،
ودعونا نتوقف قليلا لنرى الفرق من وجهة نظري بين الرؤية والمشروع:

فالرؤية: تبقى مجرد تصور فكري للإصلاح ، لكنها تبقى في طور عالم الأفكار والنظريات وإن تبعها تحرك بسيط
.أما المشروع : فهو ترجمة تلك الرؤى الى مشاريع محددة الأهداف والغايات والمراحل والأولويات والوسائل .

وتبقى الرؤية محصورة في الطبقات النخبوية ،
لكن على الطرف الآخر يدمج المشروع جميع طبقات الأمة للمشاركة في هذا المشروع وتحويل هذه الرؤية الى واقع ملموس وليس بالضرورة أن يعي جميع المشاركين في المشروع جميع أبعاد تلك الرؤية
.
ومن هنا كانت التشخيصات لأسباب السقوط الأول كثيرة ، فمن مدرسة محمد عبد الوهاب التي رأت أن الإصلاح إعتقادي بالدرجة الأولى ،
ومدرسة محمد عبده التي إرتأت أن الإصلاح تربوي بالدرجة الأولى ، ومدرسة الأفغاني التي كانت ترى الإصلاح يكمن في إصلاح النظم والسياسات وما يمكن أن نسميه بالإصلاح السياسي،
كل هذه المدارس شخصت الداء من وجهة نظرها الخاصة ، وبقي التحرك في إطار تلك الرؤى نخبويا بامتياز ،
الى أن جاء الأستاذ البنا ودمج كل تلك الرؤى في نظم فريد وحولها الى مشروع اسلامي كبير ،
ولك أن تعجب من مقدرته على الجمع بين كل تلك الرؤى لكن كتابته توضح مدى تأثره بكل تلك المدارس ،
ومحاولة أيجاد صيغة تجميعية واطار توافقي لكل تلك الرؤى ، ومن هنا تكمن قوة المشروع الإسلامي الإصلاحي ، فهو ليس مشروع إصلاح سياسي فقط وان كانت السياسة جزء منه ،
ولا هو مشروع اصلاح اجتماعي وتربوي وان كانت التربية جزء منه ،
وليس هو بحركة تجديد إعتقادي فقط وان كان تصحيح الاعتقاد من وسائله .
هذه التوليفة القوية جدا حولت المشروع الإسلامي إلى حقيقة مهمه أنه ولد ليبقى ويستمر مهما كانت الظروف التي تحيط به.

يتبع الجزء الثاني

Hello world!

Welcome to WordPress.com. This is your first post. Edit or delete it and start blogging!